صَحوة جَسدي

شمس المتولي | 30-11-2022

على مرِّ السّنين، تأرجَحتْ عَلاقَتي بِذاتي كثيراً، ولطالما كانَ قُبولي لنَفسي يَعبُر بعلاقتي بجَسدي. عندما كنتُ يافِعةً أمُرّ بفترةِ البلوغِ كرهْتُه كثيراً ولكنْ تحوّلَ هذا الشُعورُ فيما بعد -عِندما أصبَحتُ عشرينيّةً جامعيّةً- إلى حُب. رَهَنْتُ مِقدارَ حُبّي لجَسدي بمدى صُغر ذِراعَيَّ وتَسَطُّح بطني ونُحفِ فخذَيَّ، ولسنواتٍ عديدةٍ كانَ وزني ثابتاً ومُلائِماً لما أراهُ مِثاليّاً، لم يترُكني ويذهَبْ إلى مساحاتٍ «مَحظورةٍ»، حتّى الآن. وجدْتُ نفسي فجأةً أترنَّحُ بينَ عَقليّتَينِ مختَلفَتينِ تماماً؛ إحداهُما تتمَحورُ حولَ الإحساسِ بعدمِ الأمانِ تجاهَ ذاتي، والأُخرى حولَ تَمكينِها. لكنْ بعدَ أنْ قيلَ لي أنَّ وزني باتَ يؤثِّرُ على صِحَّتي، تُهتُ بينَ شُعورَينِ مُتناقِضَينِ؛ الشُّعورُ بالرِّضا عن جَسَدي بِغضِّ النَّظرِ عن آراءِ الآخَرين والشّعورُ بالاستياءِ تِجاهَ نَفْسي لِسماحي لِحالةِ جسَدي بالتَّدَهوُرِ إلى هذا الحد.

تمَّ تشْخيصي مُؤخّراً بمُتلازِمةِ المَبيضِ مُتعدِّدِ الكيسات، والمَعروفَةِ للعَوامِ بِتكَيُّس المَبيض، يا لهُ من اسمٍ ثقيلٍ على اللّسانِ والقَلب! أحياناً أُفكِّرُ أنَّ الطبيباتِ والأطِّباءَ اعتادوا على تشخيصِ الأمراضِ المُختلفةِ لدرجةِ أنَّهم يتجاهَلونَ حجمَ القَلقِ الذّي قَدْ يُثيرهُ الخَوضُ في جلسةٍ واحدَةٍ من مُصطلحاتٍ وتَفسيراتٍ عِلميّةٍ كثيرةٍ وغيرِ مَألوفةٍ بالنّسبةِ للمريضِ أو المَريضة. عندَما كُنتُ جالِسةً على الكُرسيِّ أستَمعُ إلى العِباراتِ المُنهَمِرةِ من فمِ الطبيبِ، شَعرْتُ بالاحتِمالاتِ والسيناريوهاتِ المُمكِنةِ في حالَتي تسحَبُني إلى ثَقبٍ أَسودَ مُربِك. هَل هذا التّشخيصُ مُهمّ؟ ماذا يَعني؟ هَل أُبالغُ بردِّ فِعلي؟ كانَتْ وَتيرةُ الأسئِلةِ تتَسارَعُ في رأسي حتّى أصابَتْني بدُوارٍ بَدا لي حينَها أنَّ حَلَّهُ الوحيدُ هو مُحرِّكُ بحثِ غوغل، لكن -وكما نعَلمُ جَميعاً- لا يَجدُرُ بأحدٍ الاعتِمادُ على غوغل في البحثِ عن أعراضٍ ما بغرَضِ الارتياحِ، لأنَّ لا قُدرةَ لهُ على الإراحةِ أبداً. أغلَقْتُ حاسوبي وحجَزْتُ موعِداً لزيارةِ طبيبٍ نسائيٍّ آخرَ. كرّرَ نفْسَ التّشخيصِ ونصَحَني بتَناولِ الطّعامِ الصّحيِّ ومُمارَسةِ الرِّياضةِ، وأخبَرَني أنَّ هذهِ المُمارَساتِ يُمكِنُها أن تُخَفِّفَ من أعراضِ المُتلازِمةِ لكنَّها لنْ تشفيها تَماماً.

كانَ لا بُدَّ لي مِن التَخلُّصِ من جميعِ العباراتِ الإيجابيَّةِ التّي كُنْتُ قد حَفرتُها في ذاكرتي لأُكرِّرَها لجَسدي. حاولْتُ لِأشهُرٍ التملُّصَ من أسئِلةِ مَن كانوا يريدونَ معرِفةَ إذا كُنْتُ حَاملاً -لأنَّ شَكلي كانَ يُوحي بذلك- وتجَنَّبْتُ المُلاحظاتِ المُختَلِسةَ حولَ وزني الزّائِد. لإنقاذِ ثِقَتي بِنَفسي، واجَهتُ عباراتِ الاستنكارِ بمُجامَلاتٍ مُواسِية. شَعرْتُ حينَها بالهزيمةِ وكأنَّ الجميعَ كانوا على حَقٍّ عندَما كانوا يَرَونَ ويُعبِّرونَ ضِمناً أنَّهُ ثمَّةَ مُشكلَةٌ في شكلِ جَسدي. والأسوأُ مِن ذلكَ، شَعرْتُ وكأنَّني كُنْتُ قَدْ عَطَبتُهُ باختِفائي تَحتَ بطّانيَّةِ ما يُسمَّى حُبَّ النَّفسِ بَدلَ مُعايَنةِ الأُمورِ مِن مِنظارٍ زَهريّ.

لكنْ ثمّةَ جَانبٌ إيجابِيٌّ في هذهِ المسألةِ ويتَلخَّصُ في رغْبتي الآنَ بالعِنايةِ بِنفْسي بشَكلٍ حَقيقيٍّ وبأساليبَ لمْ تَخطُر على بالي مِن قَبل؛ عليَّ أن أستَبدِلَ الأطعِمةَ غيرَ الصحيّةِ التي لَطالما كانَتْ تُشعِرُني بالمُتعةِ والذَّنبِ معاً بوَجباتٍ صحيّةٍ وأنْ أُشبِع رَغبةَ جسدي بتَناولِ السُكّرِ باستِبدالِ الحلويّاتِ بالفاكِهة. بَدأْتُ أشعرُ برغبةٍ حقيقيّةٍ في مُمارسةِ الرّياضةِ وتَقويةِ جَسدي ومُساندِتهِ ليَتعافى فِعلاً. لا زِلْتُ في بِدايةِ رحلَتي هذهِ، لكنَّني أَشعرُ أنَّها تَجَلٍّ حَقيقيٌّ لمَفهومِ حُبِّ الذّاتِ، بعدَ أنْ كُنتُ أُقنِعُ نفسي بأنّه يتمثَّلُ في تناولِ المُثلّجاتِ الشهيّةِ وشُربِ الشّاي ذي الرّائحةِ الغَنيّةِ وارتِداءِ ملابسَ مُريحةٍ وبأنَّ هذهِ الأُمورَ كافيةٌ لإظهارِ عِنايَتي بنَفْسي. لا شَكَّ في أنَّ هذهِ التفاصيلُ الصغيرةُ مُمتِعةٌ فِعلاً، لكنَّ الاعتِمادَ عليها بِشكلٍ مُفرِطٍ قد يَعمينا ويَجعَلُنا نَنسى مَدى أهميّةِ العمَلِ بِجدٍّ سَعياً لإيجادِ الحُبِّ الحَقيقيِّ المَدفُونِ تِجاهَ أنفُسِنا والعِنايةِ بالجَسدِ والذِهنِ بعُمقٍ واستِدامةٍ وبَعيداً عن الأساليبِ السّطحيةِ.

أعتَقدُ أنَّ الخطرَ الحَقيقيَّ في تجرُبَتي هذهِ لا يَكمُنُ في الرَّقمِ الظاهِرِ على ميزاني بلْ في لامُبالاتي وشُعوري بالرِّضا الوَهميِّ عن نَفسي؛ لقد اختَرتُ التَّغاضي عَن قَلقي حِيالَ شكلِ جَسدي وأدرَجْتُ تهاوُني هذا تحتَ مفهومِ تمكينِ النِّساء.غيرَ أنَّهُ لمْ يكُن تمكينًا بل كانَ استهتاراً. لا تزالُ علاقَتي بجَسدي مُركَّبةً ومُعقَّدةً، لكنّني أصبحتُ أنتَبهُ للحظاتٍ تهدأ فيها الأصواتُ الداخليّةُ التي أنتَقدُهُ بها لأسمَعَ هَمهَماتِ الحُبِّ تنسابُ في داخلي لتَصلَ إلى نهاياتِ أطرافي وأصابِعِ قَدَمَيَّ. ومعَ كُلّ فعلٍ مُحبٍّ-مهما كانَ بَسيطاً- تَتحوّلُ الهَمهَمةُ إلى هَمسةٍ آمُلُ أن تُصبِحَ هَديراً يوماً ما، تُمَكِّنُني وتُشعِرُني بقُوَّتي الحَقيقيّة.


 تَرجمة النص من الإنجليزية إلى العربية: كريستينا كغدو