يوم اكتشفتُ أنّني أكثر من Porn Category

مريم ديب | 08-04-2020

اقتنعت بأنّي عاهرة، بعد ساعات من تسجيلي حساباً على تطبيق المواعدة تيندر.

 

كيف وصلت إلى تلك الخلاصة؟ الإجابة طويلة، سأحاول الاختصار. إنّها حكاية سنوات، حكايتي وحكاية نساء أخريات، انفجرت كلّها بين يديّ ولطّخت وجهي، حين بدأت "أُمتِّشُ" مع غرباء.

 

المشهد الأول: البنت المثالية

كنت مهذبة جداً في مراهقتي. الفتاة المثالية، حلم الأمهات والآباء والمدرّسات. كأنّهم قصّوني من إحدى صفحات كتاب التربية المدنية، وفلتوني في ملعب المدرسة.


مؤدبة حدّ الملل، حدّ الغرابة، حدّ الشكّ بأنّي مصابة بمرض ما. أحاديثي عن العلاقات مع أمّي كانت قليلة. لم أحتج للكثير من الجهد في التربية. كنت أسمع وألتقط وأفهم ما يجب أن تكون عليه الفتاة المرضي عنها، وأمتثل، حتى من دون أن يطلب منّي أحد ذلك.


لم أخرج مع شباب، لم أقبّل أحداً، وكنت مقتنعة بأنّي يجب أن أحفظ عذريتي لما بعد الزواج. فكرة الجنس كانت تخيفني. استيهاماتي غير الواعية كانت خالية من مشهد الولوج. أن يدخل بي عضو رجل، يا للألم، يا للقرف.


طبعاً أعجبتُ بشباب، وبقيت أطياف الأحباء الخياليين المتعددين ترافقني حتى سنّ متقدمة. لكنّ أيّ خاطر عن نشاط عاطفيّ أو جنسيّ من أيّ نوع، كانت تترافق مع وصلات تذنيب وجلد ذات طويلة.


إن تبادلت نظرات مع شاب، إن شعرت بانجذاب، كنتُ أخاف من أصبح فتاة "منحرفة". ويا للهول، سأصير عاهرة الضيعة. شعور عارم من العيب كان يتملّكني، لمجرّد عبور خاطرة أنّي كائن جنسيّ في رأسي.


ولكن، لا بدّ من روحنا أن تتمرّد وإن وجدنا ألف طريقة لقمعها.

 

المشهد الثاني: موت الخرافة

إشعاع العفّة الدافق خفت مع الوقت، وتصاعدت الأسئلة، وأساليب التمرّد الملتوية على نموذج الأنوثة المقدّس.


وجد عقلي معادلة خلاقة: لن أمتثل، لن أكون امرأة عادية طيّعة، لن أكون العروس بالفستان الأبيض. سأتضخّم، سآخذ أكبر مساحة ممكنة، فليحذروا، ويبتعدوا. هاكم عشرات الكيلوغرامات الزائدة. هاكم الشعر المنكوش. لن يحبني أحد لأنّ وزني زائد، ولن يشتهيني. سأكون الثائرة اللامشتهاة. صغت تلك الرواية عن نفسي، حفظتها، وصدقتها.


تلك كانت مرحلة العطب الكامل. ثمّ جاءت مرحلة الرواية المضادة.


بدأت أدرك أنّ نظرتي لجسمي ولعلاقات الآخرين من حولي بأجسادهم، مختلة. اكتشفت، ويا لمفاجأتي، أنّ الجنس لا يحدث في الأفلام فقط، وأن والدي، نعم، مارسا الجنس في البيت لانجاب أختي الصغرى.


اكتشفت، أن الجنس في حياة النساء حولي ليس خياراً أخلاقياً ولا ترفاً فكرياً ولا فيلماً عن مراهقة أميركية تجرّب العلاقات في الثانوية.


في حياة النساء اللواتي أعرفهنّ، يبدأ الجنس والحبّ أو ينتهي غالباً في إحدى هذه النقاط: تزويج بالإكراه، جرائم شرف، تحرّش، اغتصاب، ختان... حيوات تمحى أمام أعين صاحباتها لأن ما بين أرجلهن خطير جداً إن ترك على سجيته، إن انفلت، إن أطلق العنان لنفسه.


أجسادنا ليست لنا. كأنّها أدوات ضدّنا. وجدتني بين الخاضعات لإملاءات لا واعية حول الفضيلة والأخلاق، وحول حقهنّ بالحميمية، كأيّ إنسان من جنس الذكور. وجدتني من جهة بين جمع المقموعات اللواتي يعيّرن بالعنوسة، أو بالكبت الجنسي، أو بقلّة الخبرة، إن لم يجرّبن، ومن جهة أخرى، وجدتني واقفة وسط جمع المقموعات اللواتي يعيّرن بشرفهنّ وحريّتهنّ وعلاقاتهنّ، إن جرّبن.


الجنس محرّم على النساء، لكنّهنّ، في الوقت ذاته، كائنات ميغا-جنسيّة، مخلوقات للإمتاع، سواء "بالحلال" أو "بالحرام"، والأهمّ، ألا يكنّ "وقحات" كفاية ليعلنّ أنهنّ يرغبن أو لا يرغبن بذلك، ألا يكنّ "مسترجلات" حدّ امتلاكهن حريّة الاختيار.


لا مكان لفكرة المساواة بين الجنسين، إن لم تكن النساء كالرجال، حرّات بأجسادهنّ ورغباتهنّ، من دون أن يكون ذلك معياراً لقياس شرفهنّ أو أخلاقهنّ، مهما اختلفت خلفياتهنّ الاجتماعيّة، أو طريقتهنّ بالتعبير عن ذلك


المشهد الثالث: الاتجاه المعاكس

أمضيت سنوات طويلة بالتفجّع والنواح والبكاء ليلاً، على رجال أحببتهم، ولم يحبوني. كان يكفي أن أقرّر عنّي وعنهم أنّي لست صالحة للحبّ، حتى من دون محاولة. فأنا امرأة معاكسة، أفكّر بطريقة مضادة لما يمكن أن تكون عليه الزوجة الصالحة. لجسدي منطقه الخاص، يتضخم أبعد من أي فهم للأنوثة المقوننة. لجسدي أدواته لطرد العيون، وإن كان كجسد قطّة، يحتاج للتربيت طول الوقت.


بتّ أفهم أمراً واحداً، تحوّل إلى قناعة راسخة مع الوقت: لا مكان لفكرة المساواة بين الجنسين، إن لم تكن النساء كالرجال، حرّات بأجسادهنّ، بخياراتهنّ الجنسية، برغباتهنّ، من دون أن يكون ذلك معياراً لقياس شرفهنّ أو أخلاقهنّ أو قيمتهنّ، مهما اختلفت خلفياتهنّ الاجتماعيّة، أو طريقتهنّ بالتعبير عن ذلك.


لكن ماذا لو كان ما يدركه عقلنا، ما يفهمه بالمنطق والتجربة، شيء، وما نعيه في دهاليز روحنا، ما نشعر به في الداخل، شيء مختلف تماماً؟ كيف أحكي عن حقّ الاختيار إن لم أجرّبه؟


سمعت تجارب أصدقائي مع تطبيقات المواعدة. فكرة غير عاطلة. أين الخلل في ذلك؟ ما العيب؟ ربما أخرج مع شاب، نتحادث، نسمع أفكار بعضنا البعض، وربما نجرب التقبيل، وربما نذهب أبعد. ربما تكون لعبة لطيفة. ربما تكون طريقة لكي أمرّن نفسي على التآلف مع الحميمية.


نزّلت تيندر على هاتفي.


اخترت أسكس صور لي، لأضعها على صفحة التعريف عني في التطبيق. صور حقيقيّة، كي لا نغشّ المستخدمين الآخرين. صدري كبير. ممتاز. باقي الجسم، الكرش، والمؤخرة، من لا يعجبه المشهد، فهو الخاسر، المهمّ جمال الروح. هاها.


كتبت تعريفاً ينضح بالمرح والعفوية والذكاء، أرفقته بعبارة فلسفيّة عن أنّ الحياة قصيرة أو شيء من هذا القبيل. كلام فاضي.


رتبت الفئة العمريّة والبعد الجغرافي، وانطلقت، شدوا الأحزمة!


هذا سيجاره طويل، زحّط شمال. هذا يتصوّر مع سيارته ويستعرض عضلاته، انقلع، زحّط شمال. هذا كلّ صوره في أعراس أو حفلات أو نواد، يلا، زحّط شمال.


زحّطت للبعض يميناً. معظمهم كانوا قد نشروا صورهم مع قطط أو كلاب. وها أنا ذا، الموضوع أسهل ممّا كنت أتصوّر. متّشتُ مع شاب وسيم لدرجة كاد قلبي ينفجر وعيناي تخرجان من مقلتيّ حين رأيت عبارة it’s a match على شاشة هاتفي. صبرتِ ونلتِ يا بنت! ثمّ انطلقت المحادثة.

 

المشهد الرابع: عضوي جميل؟

-       كيفِك؟

-       هاي! أنا منيحة، وانت حلو!

-       ههههه تبحثين عن المرح؟

-       انه أي. بتحب نلتقي بهالقرب، أو أحسن إذا منحكي شوي هون قبل.

-       لا منلتقي. انت وحدك بالبيت؟

-       لأ.

-       اي وكيف بدنا نلتقي؟

-       هلأ يعني؟

-       اي مش انت تبحثين عن المرح؟

-       قصدي انه ما بعرف، أنا أول مرّة على تيندر، شو منعمل هلأ؟

-       ما بتعرفي شو منعمل هلأ؟ منمرح سوا.

 (يرسل صورة عضوه)

-       شو؟

-       حلو؟

-       ها؟ لازم جاوب؟

-       صوريلي طيزك.

-       أوف! خبط لزق؟ ما بدك نقعد ونحكي؟ منشرب شي سوا؟ بركي ما عجبتك بالحقيقة؟

-       لا عجبتيني كتير.

-       كيف فيك تعرف إذا منك شايفني؟

-     خليني قلك شي. أنا وقت بدي احضر porn، بفوت دغري على BBW (خانة لأفلام الجنس مع نساء بدينات). تقبروني ما أطيبكن. صوريلي طيزك.

  

المشهد الخامس: ما أريد وما لا أريد

رميت الهاتف بعيداً، وأصبت بنوبة هلع. ماذا؟ كيف يحدثني بهذه الطريقة ابن العاهرة. لا ليست أمه العاهرة. أنا العاهرة. كيف سمحت بذلك؟ كيف سمحت له أن يكلمني بهذه الطريقة؟ أنا؟ أنا خانة على "بورن هاب"؟ نفس عميق. لا. فكري بهدوء. هذه طبيعة تطبيقات المواعدة. عدلي التعريف، ألغي منه كلمة المرح، وجربي مع شباب آخرين.


تمالكت نفسي، أخرست صوت العار، وواصلت التزحيط يميناً ويساراً لأيام. معظم المحادثات كانت تبدأ أو تنتهي في الإطار ذاته: شباب يريدون أن يعرفوا إن كانت أعضاؤهم جميلة. وفي كلّ مرّة نوبة هلع، وقلق، وتعيير للذات.


لحظة: من هذه الهالعة المصعوقة البلهاء؟ ماذا تريد منّي؟ ألم أرمها في سلة مهملات الماضي؟ كيف ظهرت من جديد؟ متى عادت المراهقة المؤدبة لتسيطر على انفعالاتي؟ ومن أين كلّ هذا الخوف؟ ألم أقضِ عليه؟ ألم أصرعه بعد؟ ألستُ أنا من تريد التصالح مع جسدها؟ ألست أنا من تريد التجريب خارج حلقة التعيير المفرغة؟ ألست أنا من تريد استعادة السيطرة خارج الأفكار البالية عن دور النساء كزوجات صالحات؟ ألست أنا من تدعم صديقاتها اللواتي يحطمن القيود؟ ألست أنا من ترشرش أقوال سيمون دو بوفوار على انستغرام؟


حقاً، يبدو أنّ ما يدركه عقلنا، ما يفهمه بالمنطق والتجربة، شيء، وما نعيه في دهاليز روحنا، ما نشعر به في الداخل، شيء مختلف تماماً.


في العمق، ما زلت تلك الفتاة الخائفة الكارهة للنساء ولذاتها. ليس الصبيان وحدهم من يتشربون في التربية أفكاراً ذكورية، منها تصنيف النساء كخانات أفلام إباحية. نحن أيضاً، نتشرّب الكراهية ذاتها، وأشكال التمييز ذاتها، وتصير جزءاً من روايتنا الفطرية عن أنفسنا.


ذلك العار الأصلي، يحرمنا من حقّ أساسيّ وبديهيّ: أن نسأل أنفسنا ماذا نريد بالفعل، ما هي خياراتنا الحقيقيّة، ما الذي يريحنا، ما هي رغباتنا، كيف نريد أن نعامل جسدنا اليوم، ماذا نريد من الآخرين، وأي مساحة في حياتنا نريد أن نعطي للتجارب المختلفة؟


تلك الثنائيات الكاذبة والمخادعة عن البنت المهذبة والعاهرة، خيارات لم نضعها نحن كنساء، لم نختبرها. بين هذين الخيارين تدرجات عدّة. هما في الأساس ليسا خيارين وحيدين وإلزاميين، هما مجرد نمطين، لا يعبّران عن واقع ما تعيشه كلّ واحدة منا، وكيف يتقلّب فهمها لذتها تبعاً لمسار حياتها، وليومياتها، ولمراحلها المزاجية والنفسية. لماذا يكون النموذجان نقيضين في الأساس؟ ألا يمكن أن يكونا مجرّد وجهين من وجوه حياة المرأة المتعددة، خيارين متطرفين من مجموعة الخيارات اللامحدودة على طريق اكتشافها لذاتها؟


ليس الصبيان وحدهم من يتشربون في التربية أفكاراً ذكورية، منها تصنيف النساء كخانات أفلام إباحية. نحن أيضاً، نتشرّب الكراهية ذاتها، وأشكال التمييز ذاتها، وتصير جزءاً من روايتنا الفطرية عن أنفسنا


من حقنا أن نجيب على سؤال: "ماذا أريد"، من دون كتيّب التعليمات البالي.


ما هي إجابتي؟


جرّبت تطبيقات المواعدة، واكتشفت أنّ أعطاب الطفولة والمراهقة لا تندمل بسهولة، وقمعها لا يعني تصالحنا معها.


اكتشفت أيضاً أنّ التزاوج ليس ما تريده القطة داخلي الآن. هل هذا استنتاج الفتاة المحافظة التي كنتها؟ ربما، فكرت. لكن لماذا أبتر أفكاري وأظلمها؟ لماذا لا أكمل الجملة. ما أريده ليس الجنس... فقط. أريد الجنس، ولن أخجل بذلك، لكنّي أريده مع أشياء أخرى، ولن أخجل بذلك أيضاً. أريده مع الكلام، مع اكتشاف اهتمامات شخص آخر، مع عشاء مسلٍ، مع وقت نمضيه معاً، مع اتصال حقيقيّ مع الآخر، مع الحرية في أن أكون أكثر من مجرّد خانة. لماذا؟ لأنّي أستحقّ. لأنّي قد أرغب أن أكون خانة اباحيّة لمرّة، لكنّي أريد أن أجرّب باقي الخانات أيضاً، وأن أرتّب لي خاناتِ رحْبَة، إن أردتُ، وفي الوقت الذي يناسبني، بنفسي.


مقالات أخرى