لماذا لا يؤخذ ألم النساء على محمل الجدّ؟

هيفا عيسى | 06-04-2020

أعرف صديقة تعايشت لسنوات مع آلام مزمنة في عضلاتها ومفاصلها. كلّ ما أتذكره من أحاديثنا أنّها "تزور أطباء، وتجري فحوصاً للدم". قال لها أحدهم إنّ "السبب نفسي، الصبايا حساسين شوي زيادة"، وكل ما عليها فعله، أن تقتصد في مشاعرها "الجياشة".


في بحثها عن إجابة شافية حول سبب الألم، قيل لها إنّها "دلّوعة"، وإنّها تبالغ، وأنّها تتوهّم. حاولت ألا تتوهّم، وأن تصبر، وأن تهدأ، وبقيت تتألم. 


بعد سنوات، عرفت أنّها تعاني من الفيبرومالجيا، أو الألم العضلي الليفي، وهي حالة لا علاج متفق عليه لها حتى الآن، ولا دواء يشفي منها بالكامل. 


إن قلنا إن النساء يتعرّضن للتمييز في القانون والعمل والحقوق السياسية، لن نجد مشكّكين كثر، لأنّ الأمر أقرب إلى البديهيات في عالمنا. ولكن حين نقول إن التمييز يشمل الطبّ أيضاً، يكون وقع ذلك صادماً؛ فالطبّ علم مجرّد، ولا مجال للآراء والتأويلات والتفضيلات فيه، أليس كذلك؟


حسناً، إليكم هذه القصة من فرنسا. عام 2018، تلقت خدمة الطوارىء اتصالاً من شابة في الثانية والعشرين من عمرها، تشتكي من ألم في البطن، وتشعر "بأنّها ستموت". ردّت عاملة الهاتف: "ستموتين يوماً ما، مثل الجميع". انتظرت الفتاة خمس ساعات، وحين وصلت إلى المستشفى، تبيّن أنها أصيبت بجلطة، توفيت على إثرها. 


هل كانت الشابة ستنجو لو حصلت على المساعدة في وقت أبكر؟ وهل أخذت حالتها بخفّة لأنّها أنثى، من غير المتوقّع في العرف الثقافي أن تعاني من أعراض جلطة؟


السؤال تطرحه دراسات طبيّة ومجلات علميّة، إذ بدأ العلم يتنبّه لأنواع تمييز خفيّة، ربما كانت تمرّ في الماضي مرور الكرام.


في الماضي، تبيّن أنّ بعض الأمراض كانت مجرّد أساطير تمييزيّة حول صحة النساء، أو تشخيصات ذات طابع ثقافي لإخضاعهنّ، أو سوء تقدير لحالات يعانين منها.


ألم تكن الهستيريا مرضاً يعترف به الطب النفسي في أوروبا لمئات السنين، وكان علاجه يتضمّن أحياناً استئصال الرحم؟ الجمعية الأميركية للطب النفسي أسقطت تعريف مرض الهستيريا من مجلداتها عام 1952. غالباً ما كان تشخيص الهستيريا يستخدم لاحتواء اللواتي "يفتعلن المشاكل"، أي على الأرجح من كنّ يرفضن الأدوار الاجتماعية المفروضة عليهنّ.


العلم مصمّم بالأساس على اعتبار جسد الرجل كجسد الإنسان الأصلي، فيما جسد النساء مجرّد جسد ثانوي أو فرعي

 

رجال أقوياء ونساء عاطفيات

في دراسة أنجزها باحثون من كلية الطب في جامعة غوتنبرغ السويدية، راجع الباحثون عشرات الأبحاث المرتبطة بالألم المزمن وتشخيصه وتوصيفه، وكيف يختلف ذلك بين الجنسين.


تبيّن الدراسة أنّ الأبحاث المتعلّقة بالألم تعتمد معايير مزدوجة، إذ تصف الرجال بأنّهم "يتحمّلون الألم"، "يصبرون على الألم"، "ينفون الألم"، "يأخذون مغامرات صحيّة وإن كانت ستزيد الألم". الأبحاث ذاتها تصف الرجال بأنهم "مستقلون، مسيطرون، يتفادون طلب المساعدة الطبيّة، لا يتحدّثون عن ألمهم، يتجنبون الربط بين الألم الجسدي ومعاناتهم النفسيّة". 


تثبت تلك الأبحاث تنميطات اجتماعيّة نعرفها، أنّه على الرجال أن يظهروا "شجعاناً وأقوياء"، ما يجعلهم ينفرون من الاعتراف بالضعف. بعض المرضى الذكور يرفضون أن "يثيروا ضجّّة، لكي يحافظوا على شخصية الرجل القوي الصامت مفتول العضلات، ولا يحكون عن الألم حتى يصلوا إلى مراحل متقدّمة".


في المقابل، تصف الأبحاث ألم النساء ليس كعامل قائم بذاته، بل مقارنةً بألم الرجال. هكذا، توصف النساء بكونهنّ "أكثر حساسيّة على الألم"، "أكثر رغبة بالتبليغ عن الألم". كما تبيّن الأبحاث المشمولة بالدراسة السويديّة أنّ المجتمع يتقبّل إظهار النساء للألم أكثر من الرجال. بعض الأبحاث تقول إنّ النساء معتادات على الألم الجوّاني أكثر، بفضل الدورة الشهريّة وآلام الولادة.


وبعض الأبحاث العلميّة تصف المريضات كالتالي: "هستيريات، عاطفيات، متذمرات، لا يرغبن بالتحسّن، متمارضات، يدّعين الألم، يتوهّمن المرض". كما أشارت أبحاث أخرى إلى أنّ النساء اللواتي يعانين من الألم المزمن ينصحن باللجوء للعلاج النفسي، من دون التأكد من أسباب مرضهنّ الفيزيائيّة.


يستغرق تشخيص مرض انتباذ بطانة الرحم 7 سنوات. لماذا؟ لأنّ هناك اعتقاداً سائدًا بأنّ الألم المبرح في منطقة الحوض أمر "طبيعي" عند معظم النساء

 

الأطباء لا يصدقون النساء

هل ينعكس ذلك في نوعيّة العلاج؟ يبدو أنّ الإجابة نعم، إذ تنتظر المرأة 16 دقيقة زيادة عن الرجل، للحصول على مسكنات الألم، في غرف الطوارئ الأميركية، بحسب دراسة نشرت حديثاً. وبحسب دراسة أخرى، فإنّ خطر وفاة سيدة بفعل نوبة قلبية ينخفض في حال عالجتها طبيبة، ويرتفع إن عالجها طبيب.


جُمعت أدلّة كثيرة تشير إلى أنّ نسبة كبيرة من الأطباء معتادون على عدم تصديق النساء، أو عدم الاكتراث لآلامهنّ. يؤدي ذلك إلى تردّد نساء كثيرات بالإفصاح عن ألم يعانين منه خشية اتهامهنّ بالمبالغة. وبعضهنّ يحكين عن تجارب تجاهَل فيها أطباء أعراض معينة، تبيّن بعد سنوات أنّها تخفي مشاكل أخرى.


بالطبع فإنّ إهمال النساء في غرف الطوارئ ليس أمراً واعياً أو مقصوداً أو متعمداً، إنه رد فعل غير واعٍ، خصوصاً أنّ الأطباء يعملون تحت الضغط، ولا يحسبون خطواتهم بدقّة. فحتى في التمارين على إنعاش القلب والرئتين CPR، يتمرّن الأطباء على مجسمات لرجال، ولا يجربون التمرين على مجسمات لنساء، بحسب دراسة أجرتها جامعة بنسلفانيا.

 

أمراض للذكور فقط

من أسباب التمييز أيضاً، أنّ معظم الأبحاث والدراسات الطبية تجرى على الذكور، حتى اختبارات المسكنات تجرى على فئران ذكور، مع العلم أنّ كلا الجنسين لا يشعر بالألم بالطريقة ذاتها. هذا مثال بسيط على كون العلم مصمّم بالأساس على اعتبار جسد الرجل كجسد الإنسان الأصلي، فيما جسد النساء مجرّد جسد ثانوي أو فرعي.


بحسب صحيفة ذا غارديان، هناك خمسة أنواع من التمييز تطال بالنساء، أبرزها فشل التعاطي مع نوبات القلب. هناك افتراض سائد أنّ النوبة القلبية مرض "للرجال"، ما أدّي بحسب الصحيفة إلى وفاة أكثر من 8 آلاف سيدة.


تقول مايا دوسنبيري مؤلفة كتاب Doing Harm إنّ النوبات القلبية هي القاتل الأول للنساء، لكنها أكثر شيوعاً لدى الرجال في سنّ أصغر، ما يعزّز الاعتقاد السائد أنّها مرض "للرجال". وتوضح دوسنبيري في مقابلة أنّ هناك أمراضاً أخرى يتجاهل الأطباء تشخيصها لدى الإناث، لكونها أكثر شيوعاً عند الذكور، ومنها التوحّد، واضطراب قصور الانتباه وفرط الحركة ADHD.


من الأمراض التي يتأخّر تشخيصها لدى النساء أيضاً، الخرف المبكر أو الألزهايمر، لأن الدراسات الطبية لم تلحظ إلا متأخرة أنّ النساء يستجبن لتمارين الذاكرة بشكل جيد في المراحل الأولية من المرض.


ومن أكثر الأمراض صعوبة في التشخيص مرض انتباذ بطانة الرحم Endometriosis والذي يتسبّب للنساء بآلام شديدة في منطقة الحوض والرحم. تبيّن الأبحاث أنّ المرض يمكن أن يصيب امرأة من أصل عشرة، وأنّ التشخيص قد يستغرق 7 سنوات. لماذا؟ لأنّ هناك اعتقاداً سائدًا بأنّ الألم المبرح في منطقة الحوض، أمر "طبيعي" عند معظم النساء. وفي حال حاولت المريضة أن توضح أنّه ألم مختلف، ستعامل غالباً كأنّها تبالغ أو "تتدلع".


بحسب دوسنبيري، هناك ميل لعدم تصديق وصف النساء لأعراضهنّ، وهو ميل يندرج في إطار الثقافة العامة من التنميطات التي تصف النساء بأنّهنّ "عاطفيات"، "غير عقلانيات" و"هستيريات". في المقابل، يتوقّع أنّ الرجال أكثر قدرة على التحمّل، وبالتالي، حين يطلبون المساعدة، ذلك يعني أنّ هناك "مشكلة حقيقيّة".


مقالات أخرى