حين يصير أحمر الشفاه سنداً في الحجر: لنتوقّف عن الاعتذار عمّا يفرحنا

غادة حداد | 15-05-2020

خلال الحجر، تحوّلت صور النساء بالماكياج إلى مادة للسخرية على مواقع التواصل. لمن يضعن الحمرة والكحل والبودرة، خلال الحجر؟ لن يراهن أحد. فلمن يتجملن إذاً؟ كأننا نتجمّل لعيون الآخرين فقط.

 

رغم أنّها راسخة في عقول البعض، إلا أنّ فكرة أن تتبرّج النساء من أجل عيون الرجال حصراً، انتفت منذ زمن. مساحيق التجميل بنظر كثيرات، هي وسيلة من وسائل اهتمامهنّ بأنفسهنّ، إحدى مسرّاتهنّ الصغيرة، ودورها يصير أكبر في الحجر لأننا لا نرى إلا وجهنا كلّ يوم.  


الحلي والمسكرة ضدّ الاكتئاب

لم تغيّر هيفاء زعيتر روتينها اليومي خلال فترة الحجر: تستيقظ، تستحم، تنظف وجهها، تضع مستحضرات العناية بالبشرة، تضيف الكحل والمسكرة، ترتدي ملابسها، تتزين بخواتمها والحلق والأساور، وتبدأ يومها في المنزل.

 

روتين هيفاء اليومي الثابت ليس واجباً، بل جزءً من هويتها، خطوات تلقائية لا تحسبها قبل تنفيذها. هناك حميمية تربطها بثيابها وحليها، فكل قطعة لها قصة، وتحرص على أن تكون صناعة يدوية. لذلك تمسكت بروتينها في الحجر، كتحدّ للحفاظ على توازنها النفسي والعاطفي. ويوم مرت باكتئاب حاد، كان الدواء يشلّ حركتها، لكنها حافظت على عاداتها. تخبرنا: "حتّى المعالج النفسي لم يكن يصدق أن هناك من يقوم بذلك المجهود الكبير على شكله وهو يعاني من الاكتئاب".

 

بالنسبة ليارا دبس، وعلى مدى سنوات، كانت حمرة الشفاه القوية طريقتها لتحبّ نفسها أكثر، واعتمدت عليها بشكل يومي.

 

هاجرت إلى الولايات المتحدة قبل أشهر، حيث بنت روتيناً جديداً بين الرياضة والسباحة، وغدت أكثر إنتاجية، وشعرت بطاقة إيجابية عالية. لكن اشتياقها للأهل، والحجر بسبب كورونا، وضعاها في دوامة قلق، ففقدت تركيزها.

 

بعد شهر في الحجر المنزلي، استيقظت بوضع نفسي سيء. قصت شعرها في البيت، تبرجت، وجلست في الشمس ساعتين، فشعرت أن معنوياتها ارتفعت. تفاصيل صغيرة جداً، لكنها أسعدتها.

 

على عكس يارا، لا تعتمد ريم طراد على الماكياج في حياتها اليومية. تبقيها لمناسبات معينة، أو إن أرادت أن تخرج بمظهر جديد، أو إن كانت بمزاج غير لطيف، فتضع المساحيق لتبتهج، وهذا ما ينطبق على فترة الحجر الحالية.

 

للكحل والمسكرة تأثير على ريم في الحجر. إن احتاجت إلى دعم معنوي، أو ملّت من مظهرها، يمكن لخطّ صغير في العين أن يساعدها على التركيز في العمل.  تقول: "يعطيني ذلك شعوراً بالرضا عن النفس، إذ أفرح بشكلي، وأكسر الروتين، فأعطي لنفسي إيحاءً بأنّي غير محتجزة في المنزل. ومن الناحية الجمالية، فإنّي أحب نفسي بالماكياج".

 

نوع من استعادة السيطرة

خلال الحجر، لا مفرّ من التفكير بما كنا نتجنّبه، لندخل في دوامة من الحزن والكآبة، فنبحث عما يساعدنا على العودة لما كنا عليه قبل أشهر. حين كنا نستقيظ صباحاً، لنتحضر ليوم دراسي أو مهني جديد.


قد يكون الماكياج من الآليات التي توحي لنا أن الحياة ما زلت كما هي، وتحثنا على المحاولة، تماماً كالنوم والاستيقاظ في وقت محدد

 

نقطة على طرف العين، وأخرى أبعد بقليل، نصلهما بخطّ أسود، نملأ الفراغ تحته، ثمّ نحدد الرموش بالمسكرة. بقلم الحمرة، نبدأ التلوين من منتصف الشفتين. نحدّد الشامات. ابتسامة رضاً ببعض ما كان صديقاً يومياً قبل الحجر. نعود إلى ذات فقدناها بسبب القلق من المرض، من الغد، مما ستغدو عليه حياتنا بعد إدراكنا أن الحجر سيطول لأشهر.

 

تنصح أستاذة الطبّ النفسي في جامعة كورنيل، سامنتا بوردمان مريضاتها، بوضع الحمرة صباحاً، إن واجهن صعوبة بالفصل بين روتينهن المنزلي وحياتهن العملية. قد يكون الماكياج من الآليات التي توحي لنا أن الحياة ما زلت كما هي، وتحثنا على المحاولة، تماماً كالنوم والاستيقاظ في وقت محدد، وممارسة الرياضة، واتباع حمية، والتركيز في بعض الهوايات.

 

تحاول بعض النساء الحفاظ على روتينهنّ الجمالي اليومي، للإيحاء أنهن ما زلن منتجات. نودّ الحفاظ على الهوية التي رسمناها لأنفسنا. إنّها تلك المساحة الآمنة التي تشبهنا، فنشعر بالسعادة داخلها، وتعزز ثقتنا بأنفسنا، وتجعلنا أجمل بنظر أنفسنا.

 

تفاصيل صغيرة قادرة على إسعادنا وإعطاءنا دفعاً في ظل وضع غير طبيعي، وإطاره الزمني غير محدّد. بحسب رئيس قسم علم النفس في مستشفى نورثويسترن ميموريال، ستيوارت شانكمان، فإنّ الحفاظ على الروتين الذي يعزز المزاج يمكن أن يكون مفيداً.

 

يقول شانكمان إن "ما نعيشه في ظلّ وباء كوفيد-19، مرحلة غير مسبوقة من عدم اليقين وعدم السيطرة. لذا فإن التبرج سيعطي النساء شعوراً بنوع من السيطرة، نظراً لأن ما يجري في الخارج أمر لا يمكن السيطرة عليه". برأيه، فإنّ ما يفعله الناس بالحقيقة عندما يضعون الماكياج أو يرتدون الملابس هو أنهم يؤدون فعلاً يهدف لتحسين مزاجهم.

 

بعد هجوم 11 أيلول، لاحظ صاحب شركة "استي لودر" ليونارد لودر، إنّ مبيع الحمرة زاد مقارنة مع الأيام العادية. وكذلك الأمر في الأزمة الاقتصادية العالمية سنة 2008. يفترض لودر أنّ شراء الحمرة مؤشر لقياس صحّة الاقتصاد. فحين يكون هشاً، يترفع مبيع الحمرة الرخيصة، لأنّ النساء يحسنّ مزاجهنّ من خلالها.


يمكن لذلك القلم الصغير أن يخدع عقلنا للفصل بين أيام العمل وعطلة نهاية الأسبوع، ويمكن خلال هذه المرحلة الصعبة، أن يخلق دافعاً بسيطاً للنساء للنهوض وإتمام أعمالهنّ.

 

أمر يعنينا نحن فقط

بحسب يارا دبس، إنّ المجتمع يضع معاييراً جمالية للمرأة، لكن المشكلة أبعد من التعليق على الماكياج، والتصنّع. "المشكلة أنّ الآخرين يعتبرون أنفسهم أنهم معنيين بتصرفاتنا وأشكالنا، وعادةً ما نكون بمعرض تقييم، وكأننا أمام لجنة حكم، وننتظر علامات. لسنا بحاجة إلى سبب وجيه لاستخدام مساحيق التجميل، فهذا أمر يعنينا نحن فقط".


حتى خلال الحجر، تجد النساء أنفسهن أمام امتحان لتصرفاتهن


لا تنفِ ريم كلياً اهتمامها برأي الناس بالمساحيق التي تضعها، كما إنه مرتبط بمدى رضاها هي عن الموضوع، ويزيد هذا الرضى إن لاحظه أحد، بغض النظر إن كانوا شباباً أو فتيات أو الأهل أو زملاء العمل.

 

تقول ريم، إنّ السخرية أمر طبيعي من بعض الأمور، حين تصير "ترند". ولكن، "إن أردنا أن نضع مساحيق تجميلية في الحجر، ما شأن الناس؟ سنضع ماكياج كما نريد واسخروا كما تريدون".

 

قلّة يفهمون فكرة التبرج في البيت، والبعض ينتقدونها من باب إملاء تصرفات معينة على النساء. حتى خلال الحجر، تجد النساء أنفسهن أمام امتحان لتصرفاتهن. غالباً ما ينظر إلى الرجال على أنهم مبادرون، وأحرار بالتحكم بحياتهم، فيما ينظر للنساء أنّهنّ متلقيات، يجب حمايتهن أو السيطرة عليهن وإنقاذهن من ضعفهن.

 

بحسب الفيلسوفة الفرنسية سيمون دو بوفوار "يعرّف الرجل على أنه إنسان والمرأة كأنثى، وكلما تصرفت كإنسان يقال إنها تقلد الذكر". في وقت يمكن للنساء أن يكنّ ما يردنه، إلا أن القيود الاجتماعية تحصرهن في حدود أنوثة معينة، ليناسبن العالم كما يراه الرجال.

 

إنّها رغبة إنسانية أن نبدو بمظهر جميل، كما تقول الكاتبة اوتوم وايتفيلد- مادرانو في حديث مع "هافنغتون بوست". لاحظت صاحبة كتاب Face Value الصراع الداخلي الذي تعيشه النساء عند الاهتمام بأنفسهنّ. فمن جهة، يردن الظهور بصورة جميلة، ومن جهة يشعرن بالذنب حيال الأمر، خصوصاً النساء اللواتي يصنفن أكثر "جدية"، إذ يحاولن تبرير الأمر. هناك دوماً تلك الرغبة بالاعتذار التي تسير جنباً إلى جنب مع رغبتنا الإنسانية بأن نبدو جميلات.


تلفت وايتفيلد- مادرانو إلى أنه "إذا كان ظهورك بأفضل شكل، أياً كان ما يعنيه ذلك لك، يتيح لك أن تقدّمي نفسك للآخرين بالطريقة التي تريدين أن يروك بها، فإن هذا سيسمح لك بالقيام بعمل أفضل في العالم".


فرصة لإعادة الانتباه إلى أنفسنا 

حاولت ليلى يمين الحفاظ على الروتين التي كانت تعتمده قبل الحجر وتوسعت فيه. تفرد لنفسها ساعتين في الصباح: تحتسي القهوة، تسمع الموسيقى، ولا تنظر إلى هاتفها. ثمّ تعمل حتى الرابعة، وعند السابعة تمارس اليوغا. يتطلّب عملها تخصيص ساعة لتركز فقط على جسدها.

 

لم تهتم بشكلها من ناحية التبرج واللباس، بل صبت اهتمامها على جسدها عبر اليوغا ونوعية طعامها، كما وجدت وقتاً إضافياً لتهتم ببشرتها، فعمدت إلى تقنيات التقشير والماسكات من مواد طبيعية. عوضاً عن رمي ما يتبقى من قهوتها، تضيف إليها زيت زيتون وتعتمدها كمقشر للوجه والجسم. تعدد ضاحكةً المواد التي تستخدمها للعناية للبشرة: "كل ما هو متوفر، يصلح للاستخدام، ألوفيرا، أفوكا، خيار، أكياس الشاي".

 

ترى أستاذة علم النفس في كلية بارنارد تارا ويل، إنّ ما نعيشه اليوم وسط العزل والحجر، "فرصة عظيمة كي يواجه الناس أنفسهم بطرق جديدة، تختلف عن السابق، عندما كان انتباههم يرتكز دائماً على الخارج. وعوضاً عن التفكير بكيف نبدو بنظر الآخرين، يمكننا إعادة الانتباه إلى أنفسنا".

 

صحيح أننا في ظلّ هذه الجائحة، فقدنا السيطرة على مجريات حياتنا، لكنها قد تكون مناسبة لنقلب طريقة تفكيرنا، ونحوّلها نحو الداخل.


فيروس غير مرئي، ألزم الجميع منازلهم، فرض علينا عزلة، وإن كانت ثقيلة، أتت كمتنفس لنعود لذاتنا، لننظر إلى أجسادنا ووجوهنا بأعيننا، لنفعل ما نحب نحن، لكي نفرح نحن.



مقالات أخرى