ندى الأهدل: فتيات اليمن أمانة في عنقي

زينة شهلا | 11-07-2020

من بيتها في مدينة نيوكاسل البريطانية، تتذكّر الناشطة اليمنية ندى الأهدل حكايات فتيات عرفتهن في اليمن، قبل أن تهرب من محاولة تزويجها طفلة في العاشرة من العمر. "هنّ أمانة في عنقي"، تقول لي عبر تطبيق سكايب.


بعد مرور سبع سنوات على اليوم الذي غيّر حياة ندى إلى الأبد، تستعد الشابة ذات السبع عشرة ربيعاً، لدخول إحدى الجامعات البريطانية، ودراسة القانون الدولي.


ستواظب على التحصيل العلمي، إلى جانب إدارتها لمؤسسة "ندى" المعنية بحماية اليمنيات، وتوفير فرص تعليم لهنّ، ومساعدتهنّ على تجنب الزواج المبكر الذي تختبره 60 بالمئة من الفتيات على الأقلّ، في بلدٍ تمزّقه الحرب.


في حوارها مع "خطيرة"، تقول بصوت واثق: "أطمح لأن أكون جزءاً من التغيير ليس فقط في بلدي بل في كل الشرق الأوسط، ولأن نصل إلى قوانين تصبّ في صالح النساء والفتيات. قد يكون الأمر صعباً لكنه ليس بالمستحيل".

 

تفاصيل لا تُمحى من الذاكرة

لا تزال تفاصيل شهر يوليو من العام 2013 ماثلة في ذاكرة ندى بقوة ووضوح.


في ذلك الشهر، تحولت ابنة مدينة زبيد في محافظة الحديدة اليمنية إلى شخصية ذات شهرة واسعة على مواقع التواصل الاجتماعي. يومها، نشرت مقطع فيديو تناشد فيه العالم لإنقاذها من الزواج. أذهلت ابنة العاشرة العالم بطلاقتها وذكائها وشجاعتها.




في الفيديو الشهير، تحكي عن هربها من منزل أهلها المصرّين على تزويجها رغماً عنها، ومحاولتها العثور على عمها الذي تعرف بأنه سيساعدها، لأنه مناصر لقضايا النساء.


أسألها كيف تشكّل لديها ذلك الوعي، كي تفعل وتقول كل ذلك، وهي في سنّ صغيرة.


"حاولوا إغرائي بفستان الزفاف وبأنني سأحصل على منزل خاص بي، وكل ما كنت أتخيله هو مصيري الذي سيكون مشابهاً لمصير خالتي وأختي"


تجيب بأنّها شهدت أحداثاً جعلتها تفهم معنى تزويج القاصرات بالإكراه، وأثر ذلك على حياتهنّ. فقبلها، زُوِّجت خالتها بعمر مماثل، ونتيجة عنف زوجها، أحرقت نفسها وتوفيت. من بعدها، زُوِّجت أخت ندى، وأحرقت نفسها بذات الطريقة.


لم تمت أختها، لكن أهلها خطّطوا لاستبدال العروس المصابة، بعروس جديدة، هي ندى. لم تكن قد سمعت حينها بمصطلح "زواج القاصرات".


"حاولوا إغرائي بفستان الزفاف وبأنني سأحصل على منزل خاص بي، وكل ما كنت أتخيله هو مصيري الذي سيكون مشابهاً لمصير خالتي وأختي. لم يكن أمامي سوى الهرب قبل حفلة الزفاف بثلاثة أيام، فالرفض وحده لم يكن كافياً خاصة وأن عقد الزواج كُتب فعلاً"، تخبرنا.



بعد انتشار الفيديو، اجتمعت ندى بعمها بمساعدة صديقه، وتطلّقت بشكل قانوني. وقّع الأهل على تعهد بعدم تزويجها قبل بلوغ سن الثامنة عشرة، ونُقلت المسؤولية القانونية عنها إلى عمها، من خلال وزارة الداخلية.


في السنوات التالية أصدرت دار نشر فرنسية كتاباً عنها بعنوان "ندى الصباح" وتُرجم إلى لغات عدّة.


حمل الكتاب تغييراً جديداً إلى حياة ندى. ففي عام 2015 أرادت السفر إلى فرنسا لتوقيع الكتاب، لكن الأمر لم يكن سهلاً مع اشتداد وتيرة الحرب في اليمن، وتعذّر السفر من مطار صنعاء المغلق. توجهت نحو مطار عدن وهناك اختطفت لمدة أسبوعين من قبل تنظيم القاعدة.

لمدة ثلاثة أيام مكثت ندى وحدها معصوبة العينين في غرفة معتمة، وكان أعضاء التنظيم حينها يحققون معها حول الدعم الذي تحصل عليه كي ترفض الزواج وهي طفلة، وتحرّض الآخرين ضد عادات وتقاليد المجتمع.


أُجبرت على حضور دروس دينية بهدف تغيير قناعاتها وآرائها، وكانت بين الحين والآخر تسمع أصوات اشتباكات وصراخ أشخاص آخرين.


وبعد اغتيال محافظ عدن وحدوث تغييرات في المدينة، أفرج عن ندى وعمها، وغادرا اليمن بشكل نهائي ليستقر بهما المطاف بعد محطات عديدة في المملكة المتحدة.


"كلما تذكرت بأن هناك فتاة تجبر على الزواج كل ثانيتين في مكان ما من العالم، أدرك حجم المسؤولية الملقاة على عاتقي... وأحسب بأن أي وقت يضيع منا من دون عمل يجعلنا نخسر فتاة جديدة لصالح صفقة يكون الزوج فيها هو المشتري، والأب هو البائع والفتاة مجرد سلعة للمتاجرة"

 

كثيرات بانتظار المنقذ

لم تتخيّل ندى في طفولتها أن ينتهي بها المطاف هنا. كانت، كغيرها من الأطفال، تحب اللعب، وتحلم بأن تصبح طبيبة أو معلّمة عندما تكبر.


واليوم، وهي تستعيد تفاصيل السنوات الفائتة، تدرك تماماً بأنها "نجت" من حياة بائسة كانت ستسرق طفولتها وتحمّلها مسؤولية أكبر منها وتعرضها "للاغتصاب تحت مسمى الزواج"، في حين أن مكانها يجب أن يكون المدرسة وحضن العائلة.


يحدد قانون الأحوال الشخصية في اليمن سن الزواج الأدنى بخمسة عشر عاماً، وهو أمر لا تلتزم به عائلات كثيرة. تفاقم الأمر في السنوات الأخيرة، مع تأثير الحرب على تطبيق القوانين في البلاد بشكل غير مسبوق.


لا تنسى ندى دار رعاية الأطفال في اليمن، حيث أُجبرت على المكوث لمدة عشرة أيام، بعد هروبها. "التقيت هناك بفتيات يغتصبن من قبل أهاليهن، وأخريات يهربن من عنف أسري لا يحتمل. أتذكر بشكل خاص فتاة فقدت قدرتها على النطق بعد اغتصابها من أخوتها الثلاثة. كانت تبكي بحرقة وتحاول أن تحدثني وتعبر عن مشاعرها".


في ذلك المكان بدأت ندى تلمس أوجاع الفتيات، وعلمت بأن عليها أن تتجاوز ما هي فيه لتحارب من أجلهن وتساعدهن على إيصال صوتهن.


تقول إنّ هناك مئات الحالات التي لا توثق بالشكل الصحيح، أو التي تعالج بسطحية، من دون أخذ حقوق النساء بعين الاعتبار، ومع تكريس النظرة إليهنّ كأنهنّ بمرتبة أقل من الرجال.


"كلما تذكرت بأن هناك فتاة تجبر على الزواج كل ثانيتين في مكان ما من العالم، أدرك حجم المسؤولية الملقاة على عاتقي وعاتق كل النشطاء كي نعيد الأطفال إلى مكانهم في المدرسة ليكملوا تعليمهم ويصبحوا أشخاصاً مؤثرين في مجتمعاتهم، وأحسب بأن أي وقت يضيع منا من دون عمل يجعلنا نخسر فتاة جديدة لصالح صفقة يكون الزوج فيها هو المشتري، والأب هو البائع والفتاة مجرد سلعة للمتاجرة. زواج القاصرات جريمة لا تقل خطورة عن الاتجار بالبشر أو الاغتصاب".

 

التغيير يبدأ من العائلة

في العام 2017، أطلقت الأهدل مؤسسة "ندى" لحماية حقوق الأطفال. تقول لـ"خطيرة": "لو تابعت العمل لوحدي، كنت سأحرز تقدماً بسيطاً على الأرجح، لكنّ العمل المؤسسي، المستند إلى القانون، قد يمكنّني من مساعدة مئات وربما آلاف الفتيات".


تعمل المؤسسة على برامج عدّة، منها تقديم التعليم للفتيات داخل اليمن، وتدريب عائلات على احتضان فتيات من ضحايا العنف الأسري أو محاولات التزويج المبكر، وتوفير بيئة آمنة لهنّ تضمن حمايتهن وإمكانية إكمال تعليمهنّ.



بالتوازي مع ذلك، تعمل ندى وغيرها من النشطاء والمؤسسات اليمنية على محور أساسي هو نشر الوعي. فمع صعوبة تغيير القوانين - ومعظمها معلّقة التطبيق بسبب الأحوال السياسية والميدانية الراهنة في البلاد - تبيّن أن طرح أفكار جديدة عبر نقاشات منطقية وفكرية، قد يقود نحو تغيير محتمل في القناعات.


"بالتأكيد لا أتمنّى لأي فتاة أن تهرب من أهلها أو أن تضطر لترك أسرتها كي تتجنب مصيراً يشبه مصير خالتي أو أختي. على الأهل أن يكونوا ملجأ آمناً لبناتهم وليس العكس، لذلك أؤمن بأن العمل يجب أن يبدأ من الأسرة"، تقول ندى.


لا تنفي مشقّة هذه المهمة، فجزء من المجتمع اليمني محافظ ولا يريد تغيير أفكاره ومعتقداته، وبالتالي فإن النقاش معه "هو أصعب عملية يمكن أن تواجهها الناشطة"، وفق وصفها. يتطلب الأمر النقاش الدائم والتحفيز على اكتساب المعرفة والثقافة. برأيها تلك هي البذرة الأولى للتغيير كي يصبح المجتمع قادراً على سنّ القوانين، وواعياً لآلية تطبيقها كي لا تكون مجرد حبر على ورق.

 

كل فتاة مناضلة ملهمة

بعد خلافاتها الحادة مع أهلها، نجحت ندى خلال السنوات الفائتة باستعادة علاقتها الجيدة بهم. 


"بعد نقاشات طويلة وبمساعدة أشخاص ذوي حضور مجتمعي ومنهم عمي، تغيّرت وجهة نظرهم حول زواج الفتيات، والذي كانوا يرونه بمثابة "ستر للفتاة وضماناً لمستقبلها". اليوم هم في صفي، وأتواصل معهم بشكل دائم، ويطالبونني بألا أتوقف عن العمل فهناك آلاف الفتيات اليمنيات، خاصة في قريتي، بحاجة لإنقاذهن من احتمال الموت بعمر الطفولة".



تتحدث ندى بفخر وسعادة عن عشرات الفتيات اللواتي استطاعت تغيير مسار حيواتهنّ، عبر مؤسستها. من بينهن، طفلة تدعى شيماء كانت تتعرض لضرب مبرح من والدها، ورغم انتشار صورها عبر مواقع التواصل الاجتماعي، رفضت النيابة العامة اليمنية التحرك لإنقاذها.


مع تصاعد التحركات وإضراب ندى عن الطعام في بث حي، سُجن الأب ووضعت الطفلة برعاية جدتها، وحصلت على منحة تعليمية من مؤسسة ندى وتتابع دراستها اليوم بكل تفوق وعزيمة.


رشحت ندى لجائزة نوبل للأطفال عام 2018، وحصلت المؤسسة عام 2020 على جائزة من منظمة With and For Girls ومقرها لندن، تكريماً لجهودها في محاربة زواج القاصرات.



أسألها إن كانت ترى نفسها، مع كل هذه الإنجازات، ملهمة لفتيات أخريات في المنطقة. تقول بأن كل فتاة حاربت من أجل حقها واستطاعت تحدي القيود المفروضة عليها والحصول على حقوقها، ملهمة للجميع ولها أيضاً. "في نهاية المطاف الحقوق لا تؤخذ بسهولة. وكل من يحارب ويستمر حتى آخر سطر من حياته، ويؤمن بحقوقه، يستطيع أن يكون ملهماً لنفسه وللآخرين".


مع كل ذلك، لا تخطط ندى للعودة إلى اليمن في الوقت الحالي. تقول: "لو بقيت في اليمن سيكون تحدثي عن القضايا ضعيفاً، وفيه خوف كبير على حياتي وحياة أهلي، لذلك أفضّل البقاء خارجها وضمن بيئة تساعدني على تكوين شخصيتي ومهاراتي وتطوير نفسي وتعطيني مساحة أكبر للعمل والنضال".


تخبرني بأنها تشتاق لأهلها وأخوتها الصغار، وتستمر حتى اليوم بوضع صورتها وهي صغيرة على حساب سكايب الخاص بها.

 

لا أنتظر "فارس الأحلام"

تحمل ندى الأهدل في قلبها الكثير من الأمل. "في قاموس من يريد صناعة التغيير الحقيقي لا شيء مستحيل"، تقول.


تستمد الأمل من تغيير ترى بدايته اليوم، لكنها تعلم بأنّ الوصول إلى مجتمع يكفل للنساء حقوقاً مساوية لحقوق الرجال، يحتاج سنوات طويلة.


"الزواج ليس ضمن مخططاتي وأرفضه حالياً بشكل مطلق. وقته سيحين، وسيكون له جزء مخصص من حياتي، لكن ليس الآن"، تقول لي ندى.


ينصبّ كلّ اهتمامها حالياً على العمل الحقوقي والتحضير لدخول الجامعة وتطوير عمل المؤسسة، وليس على "فارس الأحلام".


من خلال دراستها للقانون الدولي، تطمح للتعمّق بالقوانين والتشريعات بشكل أكبر، كي تتمكن من تغييرها يوماً ما، لتصير لصالح الفتيات والنساء، وقادرة على حمايتهنّ، ليس فقط في اليمن، بل في كلّ المنطقة.


"أفكر بمستقبل أفضل للأجيال القادمة وكيف يمكن للفتيات أن يحاربن من أجل حقوقهن، وكيف يحصلن عليها بالقانون ومن خلال احترام المجتمع لهن".

مقالات أخرى