بألف فكرة وهاجس تلقيتُ خبر منع الفن العاري في كلية الفنون الجميلة في جامعة دمشق. يمكن تفسير نص القرار لمنع كل وأي شيء:
“عدم السماح بتشكيل أعمال تتعلق بالموديل العاري في أعمال النحت والتصوير والحفر” وإنتاج أعمال “تتماهى مع ثوابتنا الأخلاقية والمجتمعية”.
بعد اعتراض طلاب وفنانين، أوضح عميد الكلية على الفيسبوك أن المنع هو تأكيد على قرار قديم من 1974 كان قد منع الموديل العاري الحي. لكننا جميعاً فهمنا من لغة القرار ميوعة تسمح بمنع ما يرغب أي أحد بمنعه. فتصريحات كهذه، وإن افترضنا جدلاً أنها توكيدية، تُعتبر مؤشر مهم لأولويات السلطة وما يمكن أن ينجم عنها في المستقبل.
بذلتُ كل جهدي لأدخل كلية الفنون الجميلة، كان ذلك حلمي. لم أعرف شيئاً سوى الرسم، ومنه اكتشفتُ العالم. في طفولتي، وبشكل فطري بدأت أرسم كنوع من الهروب من مشاكل عائلية.
دفتر بعد دفتر كنت أتحسن، وبدلاً من الهروب صار تعبيراً عن أفكاري. كما وخضتُ رحلة طويلة مع جسدي، تقبله، فهمه، والتصالح معه. هل على هذا أن يكون محتشماً؟ يبدو أنني سأرسب لو فكرت حتى في التعبير عنه بطريقة تنافي “الثوابت الأخلاقية”. والأسوأ من ذلك أن تشريح الجسد قد يُمنع كذلك، رغم كونه من أبجديات الفن لرسم الأجساد البشرية حتى المحتشمة منها.
السلطة التي أصدرت القرار لا تحمي قيماً ما. نحن في عصر مفتوح على كل شيء، إن أردتَ مشاهدة “البورن” يمكنك ذلك. ما يجعل الفن مختلفاً، هو أنه يعبر عن حالة، عن فكرة، عن قضية، ولا يهدف للإثارة الجنسية. وربما لأجل هذا يُمنع ويُقيَّد مهما تغيرت السلطات.
لا أعجز أنا وغيري عن رسم ما نريد خارج حدود الأكاديميا، والسلطة ومحبيها يعرفون ذلك، لكن قرار كهذا يرسم حدوداً من نار حول ما تبقى لنا من مساحات في سوريا، وهذه خطوة أولى في دخول أيديولوجيا الحاكم إلى القطاع الأكاديمي.
في أيامه، حوّل بشار الأسد كلية الإعلام إلى مكان تشبيحي، ومُراقب من المخابرات. اليوم، يبدو أن السلطة الجديدة تضع يدها على كلية الفنون الجميلة.
كل ما أشعره من غضب على منظومة تحاول التدخل بأحلامنا وأدق تفاصيل حياتنا يستهزئ به زميل لي: ” هالقد زعلانة لأن ما عاد تشوفي أعضاء تناسلية”؟ أعلم أنني أدافع عن أمر قد يبدو تافهاً أمام المآسي السورية. لكن بعد ما يقارب العام من سقوط النظام، نجد أن قرارات السلطة الانتقالية مثل صنبور يقطر بقرارات صغيرة، تبدو للوهلة الأولى ثانوية، إلا أننا في نهاية العام، سنرى الدلو مليئاً بلون واحد، بأيديولوجيا واحدة.
وبعد أن يمتلئ الدلو، وبعد منعي من الاعتراض بحجة أن هذا لا شيء أمام المآسي، سنكون قد خسرنا كل مساحاتنا، ولن نجرؤ على قول: الخبز غالٍ. وهذا بدأ بالفعل.
