فتحت فاطمة باب بيتها لتجد ابنتها، بعمر١٨عاماً، حاملة طفلتها الرضيعة.
-كالعادة ضربك؟
-لأ، طلقني وطردني، حابب وحدة تانية.
-إي ويطلقك، وين المشكلة؟
منذ البداية عارضت فاطمة زواج ابنتها بعمر١٤عاماً لكن زوجها أصر تبعاً لعادات عائلته، ما جعلها تشهد قصتها تتكرر أمام عينيها، فهي أيضاً تزوجت وهي طفلة بعمر ١٧.
كان الزواج المبكر شائعاً في مجتمع فاطمة بمحافظة حمص السورية، فرغبت بالحصول على حفلة وارتداء فستان أبيض مثل صديقاتها. عارضتها والدتها ولكنها لم تقتنع. أما والدها فترك القرار لها.
ترَكَ الحمل المبكّر والولادات المتكررة آثاراً صحية ثقيلة على فاطمة، وازداد عنف زوجها اللفظي والجسدي سنة بعد سنة. فتعلّمت من التجربة أن تحمي ابنتها من المصير نفسه، إلا أنه حال بلغت ابنتها عمر الـ ١٤ زوّجها الأب من ابن عمٍّ له دون رضاها.
وعندما طُلّقت بعد أربع سنوات، ثار غضباً، وحاول إرجاعها بالقوة.
وقفت فاطمة بوجهه فهددها هي الأخرى بأنّ طلاق ابنتها يعني طلاقها هي أيضاً. «مر كل عمري معه قدام عيني، العنف والإهانات والمآسي اللي عشتها، قلتله ماشي. طلقني».
بعد طلاقها عام ٢٠١٩، ومع انتقالها إلى منزل جديد مع ابنتها في لبنان بعد لجوئها نتيجة الأحداث في سوريا، حوّلت فاطمة وجعها إلى مسار فعّال، وانتقلت من موقع المتضرّرة إلى القيادية في مجتمعها. في تلك الفترة، تعرّفت على أنس تلّو، من منظمة «النساء الآن» الذي كان يطلق حملة مجتمعية في سهل البقاع مع مرافقة تنظيمية من مؤسسة أهل.
بدأت فاطمة العمل معهم في مخيمات وقرى البقاع (مجدل، عنجر وشتورة)؛ وهناك تشكّلت نواة قيادية من نساء متضرّرات من الزواج المبكر: فاطمة العتر، صفاء سلات، وراما الصوص، نساء رسمن معاً ملامح الحملة: «لا تكبرونا، بعدنا صغار».
من هنا اتّسعت الدائرة لتشمل نساء أكثر يشبهن فاطمة ويجمعهن هدف واحد: إقناع العائلات بعدم تزويج بناتهم قبل سن الـ ١٨. توزعت الناشطات على فرق محليّة، واعتمدن الزيارات المنزلية واللقاءات الفردية، وروين قصصهن لبناء الثقة وفتح حوارات مباشرة مع الأسر، ثم دعون العائلات إلى رش أبواب البيوت والخيام بشعار الحملة:
«بيوتنا ما فيها بنات للزواج بكير».
وكانت النتيجة أكثر من ١٠٠٠ عائلة متعهِّدة.
ولأنهنّ من أهل المجتمع ويعرِفن مداخل الرفض وأسبابه، عملت النساء على تفكيك الالتباس بين العرف والدين بالاستناد إلى مواقف داعمة من شخصيات دينية من طوائف مختلفة حيث أكدت هذه الشخصيات أنّ الزواج مسؤولية تتطلّب أهلية ونضجاً جسدياً وعقلياً، وأنّ ما كان مقبولاً في الماضي لا يلزم الحاضر ولا يبرّر تزويج الصغيرات.
كما وشكلت القياديات فريقاً من آباء مؤيّدين للقضية، ودرّبوهم على مهارات التفاوض والإقناع لفتح حوارات مباشرة مع آباء آخرين. تناولت النقاشات المبررات الشائعة لتزويج البنات، كالعادات والتقاليد والضغوط الاقتصادية، مع تقديم بدائل منطقية وواقعية تضع مصلحة البنات أولاً.
في مرحلة لاحقة، عملت الحملة كذلك على تشكيل فريق من المتطوّعين من الأطفال سمّوهم «سفراء الطفولة»، ليحاوروا أطفالاً آخرين يفكّرون بالزواج بحكم أنهم الأقرب إليهم والأكثر فهماً لأسباب رغبتهم بذلك.
و بعد سنوات من طرق الأبواب والاستماع وبناء القيادة، راكمت الحملة أثرها خطوة بخطوة حيث جمعت ٣،١٥٤ تعهّداً من عائلات أبدين رفضهن من تزويج بناتهن قبل الـ١٨، وأجلت أكثر من ٩٠٠ خطوبة.
بالنسبة لفاطمة، لم يكن سرّ نجاح الحملة في مجرد نشر الوعي عن مخاطر الزواج المبكر النفسية والجسدية والاقتصادية، بل في قوة الحكاية الشخصية. فقد جعلت هي وزميلاتها من تجاربهن القاسية شواهد حيّة تُقنع أكثر من أي خطاب.
ربما لم تتمكن فاطمة من منع زواج ابنتها المبكر، ولكنها من خلال الحملة استطاعت أن تحمي عشرات الفتيات الأخريات من المصير نفسه.
تم نشر هذا المقال بالتعاون مع مؤسسة «أهل».