حين يكون الخوف شكلاً من أشكال الصمود

في صفوف الكتابة الإبداعيّة، وضع المدرّب الحرب موضوعاً للتدوين. وقتها كتب الجميع عن الصمود والشجاعة في مواجهة العدو، أما أنا فاخترتُ الكتابة عن الخوف والصدمة بطريقتي.

كتبتُ عن فتاة في التاسعة من العمر عاشت حرب عام ٢٠٠٦ في لبنان. فتاة اختبرت القصف والنزوح، وصمدت كما هو مُتوقّعٌ منها، وحين انتهت الحرب طفت صدمتها إلى السطح دفعةً واحدةً.

لم تنل القصة إعجاب المدرّب… قطّب حاجبيه، ثم قال بصوت عريض: لا أحب هذه الأحاسيس، فيها شيء من الاستسلام.

ورغم معرفتي بحقي في التعبير الحر عن مشاعري، شعرتُ بخيبة وسألت نفسي: أليس الذي يرتجف ويتمسك بأرضه صامداً؟

أن نخاف لا يعني أن نقبل بأن تُباع أوطاننا. والبطولة ليست في غياب الخوف وإنما في التمسك بالأرض رغمه.

كبرتُ وعرفتُ الخوف مرّة أخرى مع تجدّد الحرب في السنوات الأخيرة. الحرب التي طالت هذه المرّة، وتعدّدت أشكال الخوف. ابتلع جهازي العصبي الصدمة تلو الأخرى، لكني لم أشعر بانهيار صمودي إلا حين عجزت أن أكتب سطراً واحداً لأكثر من عام. وظننتُ أنني انهزمت.

قسوت على نفسي، ثم أدركتُ أن فقدان شهيتي، توقفي عن العمل، شحوب وجهي.. كل ذلك لا يعني أنني مُستسلمة، أنا فقط أطلق العنان لجسدي لأن يعيش واقعه.

ففي هذه البلاد على جهازك العصبي أن يبقى في حالة تأهب دائم.
وحين تخاف، تقلق، ترتعب ليس لأنك شخصاً انهزامياً، لكن لأنك شخصاً من لحم ودم… وأعصاب تحترق.

وقتها تذكّرت قصة فتاتي الصغيرة التي كبرت داخلي، تأملتها تحكي عن خوفها كما تشعر به، وتدوّن تعريفها للصمود بطريقتها. 

حينها فقط عدتُ إلى الكتابة كوسيلتي للتشافي.
عدت وكلي أمل أن يصمد قلمٌ في يدي وتخرج مشاعري على الورق.

مركز المحتوى