عن مفارقة النزوح: أخاف ألا أعود…أخاف أن أعود

قبل ساعات الفجر الأولى، وبينما كان نقاشنا العائلي يدور حول وجبة السحور، غصّت هواتفنا بالاشعارات والأخبار العاجلة: النزوح يلوّح لنا بيده مجدداً.

كان علينا النزوح من الجنوب إلى إحدى قرى جبل لبنان. ألقيتُ نظرة أخيرة على البيت، الحي، والقرية التي استقريتُ فيها قبل خمس سنوات هرباً من زحمة بيروت وصعوبة الحياة فيها. هذا هو المكان الذي أشعرني بالأمان، عندما كنتُ أعاني من القلق المفرط.

خلال اللحظات الأخيرة قبل الرحيل، اقتربتُ من شجرة الليمون لأستنشق رائحتها خلسةً، ثم توجهتُ إلى السيارة. شعرتُ برغبة في البكاء، تنفستُ بهدوء، وتذكرتُ أنه يتوجب عليَّ أن أؤجل الحزن، لأتفقد أغراضي، أوراقي الثبوتية، عدّة الصحافة التي تركتها خلال الحرب السابقة، ودفاتري التي أدوّن عليها يومياً.

هذا قدر الجنوبيّ منذ فجر التاريخ، معاركه وصراعاته، وخلافه مع عدوه. فما المخيف إذن والحرب أساساً لم تتوقف؟ ما المخيف والصراع قائم منذ عقود؟

يمكنني تلخيص خوفي وهاجسي بسؤال واحد: هل سنَسلمُ هذه المرة؟ كما سلِمنا بأعجوبة في الحرب السابقة أثناء خروجنا من قُرانا؟ نحن الذين نعرف حق المعرفة ما تعنيه كلمة «احتلال إسرائيلي»؟

أعرفُ إجرامهم منذ أن ابتكرتْ جداتنا أكلة اللحمة النيئة التي باتت تراثاً جنوبياً حتى لا يُشعلن الموقدة في الظلام لإعداد وجبات العشاء، فتلفت دبابة إسرائيلية أثناء توّغلها. 

أعرف إجرامهم من حكايا أهل الأرض، الذين كانوا يخفضون صوت نشرة الأخبار المسائية حتى لا يمر ضابط اسرائيلي ويقرر اعتقال أحد أفراد الأسرة خلال فترة التسعينيات.

أعرفهم من رواية «أحلم بزنزانة من كرز» لسهى بشارة، التي روت عذابات النساء الجنوبيات في معتقل الخيام. ومن حرب تموز، عندما أُجبرتُ على البقاء مع العائلة في مكان غير آمن.

المخيف ربما هو المجهول، والمخيف أكثر هو النظر إلى الوراء، إلى محاولات التأقلم ما بعد الحرب الأولى عندما امتنعتُ عن الطعام أشهراً ولازمني الصداع، وأصبح النوم رفيقاً، ولملمتُ شتاتي، وبدأت بالعلاجات.

أخاف ألّا أعود.

أخاف أن أعود وأبقى خائفة… أخاف الرجوع إلى  ليل عرفته.

مركز المحتوى

تكيس المبايض
هل الحمل كبسة زر