تركتُ خلفي مكتبتي الصغيرة، وغرفتي، وبلدتي، وهربتُ إلى «مصر»؛ الاسم الحركي للقاهرة في بلدتنا، وهي أبعد ما يمكن أن تصل إليه فتاة صعيديّة في الثامنة عشرة من عمرها.
ظننتُ أن المسافة بين المنيا والقاهرة تكفي لأنزع عن كتفيَّ ذلك الشرف المتخيَّل الذي حُمِّلتُه لسنوات، وأن تغيير المكان سيمنحني فرصةً لأبدأ من جديد؛ أخف وأقرب إلى نفسي.
لكن حين وقفتُ أمام المرآة في غرفتي الجديدة، ذُعِرت.
لم أرَ وجهي.. رأيتُ عيني أبي الحادَّتين تترصَّدان حركتي، وسمعتُ نبرته القاسية في صوتي.
وقتها أدركتُ أن المسافة وحدها ليست كافية لأتخلص من العبء، وأن التحرر يبدأ من الداخل.. فبدأتُ رحلة تفكيك أصنامي.
كبرتُ في بيئة تُحاسب النساء على وجودهن باسم الشرف، بينما يظلّ رجل ينهب الميراث، أو يُزوِّج بناته قسراً، محتفظاً بصورة الرجل الشريف.هناك، كنتُ أراقب نفسي وأخاف منها لا عليها.
لكن في القاهرة، صارعتُ صوت الماضي طويلاً حتى خَفَت. حاولتُ كثيراً، وتعلَّمتُ عن نفسي ومنها، حتى تمكنتُ من صياغة معنىً جديد للشرف.
أصبحتُ أرى شرفي في صدق كلماتي، وفي إخلاص أفعالي، وفي محاولاتي الدائمة ألا أؤذي أحداً.
لم أعد أبرر تصرفاتي، ولا يهمني إلا أن أكون نفسي التي أجدها كلما تحرَّرتُ من تعريفٍ بالٍ، أو وقفتُ أمام المرآة فرأيتُ عينَيَّ أنا.. لا عينيه.