قبل أيام انتشر مقطع فيديو مفزع لشابة تتعرض لمحاولة اختطاف على يد أشخاص حاولوا اقتيادها بالقوة إلى سيارة بمدينة الشيخ زايد بمصر. ظهرت الفتاة وهي تصرخ وتستغيث، بينما تمر السيارات ويقف المارة متفرجين.. لم يكترث أحد لها غير المرأة التي قررت أن تصور المشهد وتنشره.
في نفس اليوم تقريباً، انتشر فيديو آخر لشخص صوّر شاباً وشابة داخل سيارة يتبادلان قبلة، معتبراً ما رآه «فعلاً فاضحاً» يستحق تدخل الأجهزة الأمنية.
في الحالتين تحركت الأجهزة الأمنية وألقت القبض على «المتورطين»، لكن المشهد لا يمكن أن يمر دون التوقف عند ردود فعل المارة؛ فلم يعبأ أحد ويتحرك لمنع محاولة اختطاف في مكان عام، بينما استيقظت «النخوة» فوراً للتشهير بشخصين تبادلا قبلة في مساحة خاصة.
التساؤلات حول «نخوة الشارع» ليست جديدة؛ فمع تزايد حالات التحرش والعنف ضد النساء في مصر، قرر يوتيوبر شهير تصميم تجربة اجتماعية تحاكي تعرض امرأة للتحرش، لمعرفة ما إذا كان المارة سيساعدونها أم سيغضون الطرف.
ولم يكن اللافت في التجربة، التي نُشرت قبل عدة أشهر، أن النساء كنّ أول من استجبن لها وساعدن في جذب انتباه المارة -فهذا ليس غريباً، اللافت حقاً كان تعليق اليوتيوبر على الفيديو:
«ده كان أكبر إثبات إن مفيش حد هيشوف تحرش بيحصل بشكل حقيقي من غير ما يتدخل بأي شكل.»
ورغم التعليقات المنتشية بـ«المحتوى الهادف»، علقت كثيرات:
- «للأسف كبنت مصرية منتقبة أحب أقول إن رد الفعل ده ممكن يحصل مع بنت واحدة من 100 بنت»
- «أنا ممكن أحكيلك كام مرة اتعرضت لتحرش لفظي وجسدي ولا حد اتدخل، بالعكس هربوا»
- «لازم فيديو تاني بس تكون البنت غير محجبة ونشوف الناس هتدافع عنها ولا عن المتحرش»
تلك التعليقات الغاضبة تقول ما لا يمكن لتجربة «مريحة للضمير» أن تمحوه، وهو أن الواقع غير قابل للتجميل، ولا تنفعه المسكنات، وجولة قصيرة على الإنترنت كافية لفهم كيف يُصنع هذا الواقع ويُعاد إنتاجه كل يوم.
فالخطاب الديني الرقمي انتقل من الحديث عن ملابس المرأة وشكلها وصوتها وحركتها، إلى وصف النساء صراحةً بأنهن أقل قيمة، وأن وجودهن شأن عام يحق للجميع الحكم عليه.
«مستواكي إيه؟ إنتِ مالكيش مستوى»
«المرأة هي شرف وعرض، مش هنخلي الخطأ من الرجل زي الخطأ من المرأة»
وفي حين تُضبط نساء فوراً للرقص على تيك توك، أو يُحكم على طبيبة بـ6 أشهر سجن لمشاركتها شهادات عن العنف التوليدي، يحظى «شيوخ الإنترنت» بمساحة مفتوحة للقول والتكرار.
الحقيقة أن المجتمع الأبوي، بكل أشكاله، يخشى إرادة النساء.. لذلك قُبلة بإرادتك تصبح «فعلاً فاضحاً»، أما التحرش والضرب فطالما بغير إرادتك فـ«ملناش دعوة».