«كم عمركِ؟»، يبدو سؤالاً عادياً في عيادة للمساعدة على الإنجاب، لكنه كان كافياً لإعادة إيمان إلى الشعور الخانق الذي يطاردها منذ سنوات كلما سألها أحدهم: لماذا لم تتزوجي بعد؟
تبلغ إيمان -اسم مستعار- الأربعين من عمرها، وفي كل مناسبة عائلية تجد نفسها أمام السؤال ذاته مقترناً بنبرة حسرة على القطار الفائت والساعة التي تدق في الخلفية، ضغوط تحملتها لسنوات قبل أن تدفعها إلى مركز الإنجاب ساعيةً إلى تجميد بويضاتها المتبقية، تضحك وتقول: «حتى يأتي فارس الأحلام على حماره الأبيض»، لكن تلك المزحة لم تُخفِ شعورها بالمرارة وهي تحكي الحوار الذي دار بينها وبين الطبيبة:
-بهذا العمر ﻻ يمكنكِ تجميد بويضاتك
= لماذا؟
– كلما تقدّم العمر، قلت جودة البويضات، وانخفضت نسبة نجاح العملية
= وﻣﺎ العمر المناسب إذن؟ سن اﻟﻌﺎشرة!!
ما هي مبرراتك لتجميد البويضات؟
مثل أغلب النساء، لم تكن إيمان تعرف الكثير عن تلك العملية قبل زيارتها للمركز، فقط معلومات متناثرة على الإنترنت، من دون معرفة علمية أو تجارب شخصية معلنة، والأهم أنها لم تعرف أن هناك تصنيفاً للدوافع الباعثة على إجراء عمليات تجميد البويضات.
بحسب الطبيبة شهيناز مير علي، المختصة في مركز الأسرار للمساعدة على الإنجاب في وهران بالجزائر، فإن هذا الإجراء يعتمد على سحب بويضات المرأة وتجميدها وهي غير مخصبة لاستخدامها لاحقاً في الإنجاب.. وتنقسم دوافع إجراء التجميد إلى نوعين:
- التجميد «الطبي» الذي تلجأ إليه النساء في حالات الإصابة بالسرطان أو الخضوع لعلاجات قد تؤثر على الإنجاب.
- «التجميد الاجتماعي» (Social Egg Freezing) الذي تلجأ إليه بعض النساء لتأجيل الإنجاب لأسباب شخصية أو مهنية أو لتأخر سن الزواج.
المشكلة أن الإطار القانوني في الجزائر يجعل الوصول إلى تجميد البويضات لأسباب «غير طبية» أكثر تعقيداً لأنه «ﻻ يوجد ﻗﺎﻧون يسمح ﺑﺎلتجميد» كما يقول الطبيب بن عيبوش فريد، المختص في أمراض النساء والخصوبة، ويستطرد في تصريحات إعلامية: «ﻗﺎنون الصحة الجزائري 2018 يحدد عدداً من الممنوعات.. ونحن نحاول العمل فقط ضمن ما هو مسموح به، أي أطفال الأنابيب والحقن المجهري، كما نقوم أيضاً بتجميد الحيوانات المنوية والبويضات عند وجود حالة مرضية.»
وفي إطار التضييقات، تُقدّر د. شهيناز علي أن عدد المراكز التي توفر خدمة تجميد البويضات محدود للغاية ولا يتجاوز خمسة أو ستة مراكز من أصل 31 مركزاً للمساعدة على الإنجاب في البلاد. أما إذا توفر المركز و«السبب الطبي»، «فلا بد للمرأة أن تحصل على ترخيص من وكيل الجمهورية لتجميد بويضاتها»، بحسب أحد المراكز الطبية في مدينة قسنطينة شرق الجزائر.
لماذا التحفظ مع تجارب تجميد البويضات؟
لا تتعلق هذه التعقيدات التي تواجه الجزائريات بالقانون وحده؛ ولا حتى بالتكلفة التي تجعل العملية تتراوح بين 120 ألف و300 ألف دينار جزائري (نحو 900 إلى 2500 دولار أمريكي) -دون احتساب تكاليف الفحوصات والتحاليل الطبية-، فتجميد البويضات لا يزال موضوعاً يحيطه التحفّظ الاجتماعي لارتباطه بتأجيل الأمومة خارج «التوقيت البيولوجي».
ففي إحدى عيادات المساعدة على الإنجاب في الجزائر العاصمة، كانت غالبية النساء في قاعة الانتظار متزوجات؛ بعضهن ينتظرن نتائج التحاليل، وأخريات خضعن لعمليات الحقن المجهري، وعند طرح موضوع تجميد البويضات، خيّم الصمت على المكان، إلى أن تشجعت إحداهن وحكت -على استحياء- قصة ابنة عمها التي خضعت للعملية في فرنسا، وكذلك روت طبيبة المركز قصة امرأة أخرى سافرت إلى إسبانيا لتجميد البويضات وكانت تبلغ 35 عاماً، ثم نجحت في الإنجاب لاحقاً.
ندرة القصص ليست عابرة، وتعزوها الصحفية سميرة دهري، المهتمة بقضايا المرأة ﻓﻲ الجزائر، إلى «النفور الاجتماعي» من الفكرة لأن المجتمع يعتبر المرأة العزباء التي تفكر ﻓﻲ تجميد بويضاتها «تُغيّر القدر، أو تهرب لتعيش حياتها بحرية، أو أنها تفكر ﻓﻲ الأمومة ﺧﺎرج إطﺎر الزواج.»
كما تُرجع أسباب هذا «النفور» لكون الأموﻣﺔ في مجتمعاتنا حدث عائلي، والحمل والولادة ﻻ يرتبطان ﻓﻘط بجسد المرأة بل بثقافة ﻛﺎﻣﻠﺔ تراهما ﺷﺄﻧﺎً مشتركاً، وتنظر لكل ما له علاقة بالجنس والإنجاب والخصوبة على أنه يقع تحت سلطة الرجال، «وبالطبع لو تحكمت المرأة ﻓﻲ التوقيت والطريقة فهذا تهديدًا لسلطتهم»، خصوصاً وأن حل تجميد البويضات يمكن أن يخلص النساء ﻣن الضغط الاجتماعي للزواج واﻹنجاب.
كيف نتخلص من الوصاية؟
ﻣن جهتها، ترى عتيقة راشد بلحسن، ﻧﺎشطة نسوية، أن تجميد البويضات يُصنف كـ«حيلة رأسمالية أبوية» لأنه يقدم حلاً فردياً لمشكلة تصنعها ضغوط اجتماعية، ومنظومة تفرض على النساء الزواج والإنجاب، وتعتقد أن البديل الأنسب هو سياسات عامة ﺗدﻋم التكفل ﺑﺎﻷطﻔﺎل بدلاً من الحلول الفردية.
بينما تعتقد سميرة دهري أن تطبيع النقاش حول تجميد البويضات قد يسهل وصول النساء إلى معلومات دقيقة عنه، كما أن تقديمه إعلامياً بوصفه خياراً طبياً يُناقش علمياً لا أخلاقياً يمكن أن يحد من الوصم والأحكام المسبقة. لكن تطبيع النقاش وتوسيع مساحة الاختيار أمام النساء يحتاجان أولاً إلى مراجعة القوانين والسياسات العامة التي تنظّم الوصول إلى تقنيات حفظ الخصوبة.
المشكلة ليست في العمر
«25 هو العمر المناسب لتجميد البويضات»، هكذا أجابت الطبيبة عن سؤال إيمان الاستنكاري، كانت إجابة صادمة أخرجتها من العيادة مثقلة؛ فتأكيد الطبيبة على استحالة إجراء العملية في مثل عمرها أشعرها وكأنها «علبة طماطم انتهت صلاحيتها».
خرجت وأمسكت هاتفها وبحثت عن السن الذي يتعذر فيه تجميد البويضات، فجاءت الإجابة بأنه «لا يوجد سنّ محدد يُمنع عنده التجميد بشكل قاطع، لكن العمر الأنسب لتجميد البويضات يكون قبل سن الخامسة والثلاثين، إذ تتراجع فرص نجاح العملية مع الاقتراب من سن انقطاع الطمث».. تنفست إيمان وهي تستعيد أملاً ما، ثم أدركت المفارقة، فحتى لو كانت في «العمر المثالي» الذي أشارت إليه الطبيبة، فإن ذلك لن يكون كافياً ليمنحها حقها في الاختيار.