عن بيوت لا نشعر فيها بالأمان

مع نهاية كل يوم أغلق باب بيتنا من الداخل، وكل مرة أشعر بالسخرية، هل أغلق الباب خوفًا من خطر خارجي؟ لا أبداً.. ربما لو جاء لص، وصرخت سيأتي الجميع لنجدتي! ربّما لو صادفني أي عنف من أي نوع آخر، سيساعدني المجتمع على تجاوزه.. لكنّ قفلَ الباب الذي أغلقه -والذي صُنع ليحميني من الغرباء- هو ذاته القفلُ الذي يحبسني مع الوحش!

الوحش الذي أخشاه قابع معي داخل منزلي! رجل مُعنِّف قد يستشيط غضبًا ويكسر كل شيء أمامه لو أراد، وقد يقتلني في لحظة غضب دون أن يتدخّل أحد لنجدتي إذا حدث شيء، ألم تسمعوا بأنّ: «البيوت أسرار» ما يعني أنّ كلّ ما داخل البيوت هو شأن عائلي لا يخص من هم خارجه في شيء!

المشكلة هنا أنّي لا أتحدث عن زوج أو شخص يمكن أن أنفصل عنه، بل عن أخي، الذي يعطيه المجتمع كامل الصلاحيات لـ (يؤدبني) كما يقولون.

 لا أريد الخوض في شكل العنف أو سببه هنا، لأنّ العنف كلّه لا يُبرّر كائناً ما كان.. فأنا أرتعدُ كُلّ ليلةٍ وأتخيّل أن بيتي يمكن أن يكون مسرح جريمة في وقت ما، وأكون أنا الجثة.

يزداد شعوري بالخوف سوءاً كلّما رأيتُ الإحصاءات في بلدي، 495 جريمة عنف ضد الفتيات والنساء في مصر وقعت أو اكتُشفت خلال النصف الأول من عام 2025. النّصف الأول فقط! منهم 156 جريمة قتل.. 120 جريمة قتل منها حصلت ضمن نطاق الأسرة..  فيرجع لي السؤال: هل يمكن أن أكون واحدةً من هاته الفتيات يوماً؟ 

أودُّ لو أعرفُ سبباً منطقياً يُبّرر تصرّفات أخي القاسية والعنيفة، هل يكرهني؟ هل يغار منّي؟
أنا فتاة مُستقلّة نجحتُ في مساعدة العائلة، وهو لا زال يتخبّط في حياته لا يدري ما يفعل.. وددتُ لو أنّه جاءني بحنوّ وسألني كيف أساعده، كنت سأفكّر معه وربّما نجدُ له مخرجاً.. لكنّه بدل ذلك ما زال يحاول أن يُضيّق عليّ مساحتي التي أحاول انتزاعها كلّ يوم؟

تهاجمني هذه الأفكار كلّ يوم، ولا زال المجتمع يحملُ حججه ومبرّراته لأفعال أخي غير المقبولة أساساً، يقولون: إنه أخ يحاول تأديب أخته أو يعلمها كيف تتعامل مع الرجال!

والمشكلة أنّ لا يوجد رجلُ آخر في المنزل، ما يجعلُ من عمليّة صدّه ومقاومته أصعب، ومن محاولة نجدتي من جنونه الهستيري تصرّفاً شبه مستحيل لا أتخيّله من أيّ أحد.

ماذا أفعل؟ قد يكون المهرب الأول والوحيد بالنسبة للكثير من النّساء، هو الزواج، وقد يبدو حلّاً منطقياً.. لكنّي لن أتزوج، لا أريد أن أهرب من عنفه فأنا لستُ مُعدمة الحيلة، كما أنّ نساءً كثيراً من عائلتي فعلن ذلك، وانتهى بهنّ زوجات تعيسات أو مطلقات!

لا يناسبني ذلك.. ماذا أفعل إذاً؟ لسنوات طويلة كان مهربي دموعي التي تبلّل وسادتي كل مساء، أهرب للكتابة أو لمشاهدة مسلسل دراميّ لأنسى. ومن حين لآخر كنت أتحايل على الأشياء.. فأذهب إلى الجيم دون أن يعرف أخي لأنه أقسم بالله أنّي لن أذهب إلى هناك أبدًا.

جرّبت أيضاً أن أنهمك في العمل، أغلق باب غرفتي وأعمل، وأعمل وأعمل.. لأتناسى المحيط قدر استطاعتي، وأجمع مالًا للمستقبل، وأبقى أتمنى غداً دون خوف أو عنف.

بعد سنوات، اتّخذت القرار الحاسم. أذكر تلك اللحظة تماماً، ضربني أخي حينها بعنف شديد. فقرّرت أنّني لن أكمل حياتي في هذا البيت الذي أوشك فيه على الانهيار العصبي كلّ يوم. انتظرت لتهدأ الأوضاع وادّعيت بعدها بفترة أن عملي يجبرني على السفر لفترة طويلة.

سافرت وابتعدت، ورغم كلّ محاولات أسرتي في أن أعود، كنتُ أزدادُ إصراراً أنني لن أفعل.. مرّت شهور، ومدة العمل (المزعوم) تطول، كنت خلاله أحاول تعويد أهلي على غيابي، بل وحاولت أن أريهم غيابي كامتياز، تارة أرسل نقوداً، وتارة أخبرهم أنّي غير سعيدة في الغربة كي لا يظنّنوني «أسرح وأمرح».

 نعم بدأت حياتي في مكان آخر، وبيت ليس هو الأفضل، لكنّي -على الأقل- أغلق باب غرفتي كل يوم ولا أفكر بأن شخصًا ما يمكن أن يهدد أماني أو يقتلني!

مركز المحتوى