تعويذة فيروز السحرية

في كل مرّة تُغني أمي لفيروز، أكتشف نسخة جديدة منها، تتحوّل من أم واقعية إلى امرأة حالمة رومانسية. تبدأ بالغناء معها بصوتٍ مُنخفض “سهار بعد سهار”، فأنسى صوتها العالي الذي كان يُلاحقني قبل قليل بعد احتدام نقاشنا وشجارنا.. فأُدندن معها ونتصافى.


صوتُ فيروز تعويذة.. “جايبلي سلام” مثلاً، تُهدّئ من الضجيج المستمر في رأس أمّي، تُصبح به ومن خلاله موجودة وحاضرةً في اللحظة. تستمع إليها فقط.


أسمعها تُقلّد صوت السيدة الأعجوبة وأعلمُ أنّها ربّما كانت تُخفي هذا الصوت في صغرها، فقد تربّت على يد جدّتي مع ثلاث أخوات أخريات، تلوّنت كلٌُّ منهنّ بلون مختلف لتخفي ألم فقد الأب والعيش في بيئة تقليدية ذكورية. أمي قرّرت أن تكون المرأة العمليّة.


لم تهتمّ بقراءة الروايات ومشاهدة الأفلام الرومانسية، بل كانت أول فتاة تركب دراجة في حيّها، كما كانت تأخذ سيارة جدّتي خلسة قبل إتمامها الثامنة عشر، وكانت تحلم أن تصبح أستاذةً في الجمباز.
ومن ثم تزوّجت أبي زواجاً أقرب إلى التقليدي. لا فراشات ولا رسائل ولا غزل. لكنّهما حين يُصادفان صوت فيروز قادماً من أي مكان، يُغنيّان سويةً في لحظة نادرة: “من يومها صار القمر أكبر”.


لا أعلم ما الذي كانت ستكونه أمي لو أنها عاشت طفولةً مختلفة بحُريّة أكبر، لكنني أعلم جيداً أن صوت فيروز يمنحني لمحةً عن المرأة التي كانت يمكن أن تكونها.

مركز المحتوى

Review Your Cart
0
Add Coupon Code
Subtotal